مؤتمر القوى الشعبية العربية

المسيرة والآفاق

سعد قاسم حمودي

إن الحديث عن تجربة مؤتمر القوى الشعبية يقتضي ابتداء الحديث عن المنازلة الكبرى لملحمة أم المعارك وما حققته من نهوض قومي جماهيري عارم.. غطى الأرض العربية من أقصى مشرق الوطن الكبير إلى سواحل مغربه.. فالمؤتمر وليد شرعي وثمرة يانعة للمنازلة الحاسمة ضد الحلف الإمبريالي الصهيوني الشعوبي.

(وقد كان نفير أم المعارك نداء للمسؤولية وباعثا على الصحوة القومية التي حركت الوضع الشعبي ودفعته للتضامن والانتظام وتنمية الشعور بوحدة النضال على مستوى مختلف القوى والتعبيرات السياسية والاجتماعية العربية والإسلامية الأصيلة بصرف النظر عن هويتها الفكرية وألوانها السياسية).

إذن كيف تحقق هذا المد الشعبي الذي كان من أروع نتائج أم المعارك، بل كان مفاجأة العروبة لنفسها؟ ولا نجد رداً دقيقا على هذا التساؤل سوى الرجوع إلى طبيعة هذه المجابهة التاريخية، وإلى وضوح أهدافها وعدالة شعاراتها، وإلى قومية مضامينها وإنسانية رسالتها.

إذن فأن (أم المعارك) معركة وطنية قومية إنسانية، لأنها:

1 - معركة تحرير فلسطين وتطهير القدس الشريف من دنس العدوان والاحتلال الصهيوني، مثلما هي معركة تحرير الجولان السوري وجنوب لبنان وكل شبر مغتصب من أرضنا الطاهرة.

2 - إنها معركة تصفية المصالح غير المشروعة والوجود الأجنبي وركائزه الاحتكارية على امتداد الساحة القومية.

3 - إنها معركة تحرير الوطن والمواطن العربي من كل أشكال التبعية للأجنبي والأنظمة الدكتاتورية والفردية العميلة المعادية لحقوق الجماهير.

4 - إنها معركة توظيف الثروة العربية لصالح التنمية المستقلة والتقدم والنهوض العربي الشامل والمتوازن وخلق الإنسان العربي الجديد المسلح بالعلم والإيمان.

5 - إنها معركة العدالة والمساواة بين الجماهير العروبة وتكافؤ الفرص من اجل حياة إنسانية كريمة لا فقر مدقع فيها ولا غنى فاحش.. إنها ضد سفه القلة المبذرة الفاسدة ولصالح الأغلبية المحرومة.

6 - إنها معركة العالم النامي الطامح للاستقلال والتقدم والعدالة ضد جحافل الاستعماريين القدامى والجدد.. ومن اجل عالم آمن بعيدا عن الهيمنة والطغيان والعنصرية والجشع.

وهكذا التقط أبناء فلسطين الانتفاضة رسالة أم المعارك فوراً مثلما وعى عرب موريتانيا أهدافها، وخرجت اليمن تعلن تطوعها للقتال مع عراق الجهاد، في ذات الوقت غطى السودانيون أرجاء العاصمة والأقاليم بتظاهراتهم وفاجأوا الأعداء بعروبتهم رغم محاولات الفرنسة والتغريب.

لقد فجرت المنازلة الكبرى طوفانا من الحماسة والثقة بالنفس والاستعداد للتضحية والبذل على مستوى الجماهير على نحو فاق قدرة الأحزاب السياسية والاتحادات والنقابات المهنية على استيعابها وتنظيمها وتوجيهها وإدامة زخم صعودها الكفاحي.

وكانت الذروة عند هطول صواريخ الحسين والحجارة العربية كالمطر على تل ابيب ومراكز الشر الصهيوني العنصري حيث ثأر العرب فيها لكرامتهم المهدورة وانتقموا لشهدائهم الأبرار.

ولقد شهدت عواصم العرب. أنواعا من المبادرات الجهادية حيث استشهد عدد من الطلبة الجامعات المصرية برصاص النظام العميل تضامنا مع العراق. وكذلك عدد أبطال الحجارة الفلسطينية واقتحم المتطوعون الليبيون سفارة العراق في طرابلس يطالبون بنقلهم جوا لمقاتلة الأمريكان والأطلسيين الغزاة، وهبت قبائل اليمن لنجدة أشقائهم العراقيين وكان التبرع بالدم والمال والحلي الذهبية والأدوية والأغذية وحليب الأطفال بعدما فرض الحصار الشامل على شعب العراق الصامد.

وكان من أبرز الحقائق التي أفرزتها أم المعارك، ذلك التلاحم الميداني بين التيار العروبي والتيار الاسلامي في ساحة المعركة، باعتبار العروبة والإسلام وجهان لحقيقة واحدة وجهاد لا يلين ضد جمع الكفر والبغي والظلم.

وفي هذا الجو الإيماني المترغ بحب العروبة والانتصار لقضاياها المصيرية ، تنادت قوى الخير والحق والتقدم إلى عقد مؤتمر في عمان في أيلول/سبتمبر 1990.. وكانت ولادة مؤتمر القوى الشعبية العربية ولادة طبيعية، ومحصلة إيجابية فورية لملحمة أم المعارك.